تعزيز تنافسية المنتجات الفلسطينية

الدكتور يوسف أبو فارة

جامعة القدس المفتوحة

يعدّ تعزيز تنافسية المنتجات واحدا من الموضوعات التي تحظى باهتمام واضح في دول كثيرة خصوصا في ظل سعي هذه الدول إلى تحقيق مستوى مرتفع ومرموق من جودة الحياة Quality of life، وهذا التوجه يدفع باستمرار نحو بناء اقتصاد تنافسي متين على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي، ويكفل تعزيز تنافسية الصناعات والمنتجات الوطنية، ويضمن تعزيز نقاط وأوجه القوة في هذه الصناعات والمنتجات.

وقد أثبتت دراسات اقتصادية متعددة أن وجود صناعات وطنية قوية يسهم في تقليل معدلات البطالة والفقر، ويؤدي إلى تحسين الأوضاع المعيشية، ومن هنا ، فإن مضامين الفكر الاقتصادي السليم تفرض على حكومات الدول أن تولي اهتماما بالغا بصناعاتها ومنتجاتها الوطنية، فهذا الاهتمام يؤدي إلى انعكاسات جوهرية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لأفراد المجتمع.

وقد أدى الانفتاح الاقتصادي بين دول العالم إلى تزايد حدّة  المنافسة بين الصناعات، وهذا الأمر وضع منظمات الأعمال أمام تحديات كبيرة لرسم سياسات اقتصادية واجتماعية وبيئية قادرة على الانخراط في التنافسية العالمية بكفاءة وفاعلية ونجاح.

وتجدر الإشارة إلى أحد المعتقدات الخاطئة لدى بعض إدارات المنظمات، وهو اعتقاد هذه الإدارات أن تحقيق تنافسية المنتجات يأتي فقط من التحديث الدوري للتكنولوجيات المستخدمة في عمليات التصنيع ونظم الإنتاج والاستثمار في أنظمة التصنيع والتسويق المتقدمة. ومع أهمية مضامين هذا المعتقد، غير أنه غير كاف ولا يمثل الضمانة الكافية لتحقيق التنافسية الكافية والمطلوبة للمنتجات، فهناك جانب جوهري لتعزيز تنافسية أي منتج (سلعة/ خدمة) وهذا الجانب يكمن في العمل على زيادة وتعظيم المنافع والقيم المتحققة من هذا المنتج، فالمستهلك لا يشتري المنتجات إلا للحصول على منافعها وما يتضمنه كل منتج من قيمة مضافة يبحث عنها ويتوقعها أو لا يتوقعها.

إن تحقيق التنافسية العالية للمنتجات الفلسطينية هي مسألة شديدة الصعوبة وعظيمة التعقيد، وهذا الأمر يعود إلى خصوصية البيئة الفلسطينية سياسيا واقتصاديا وقانونيا، فالاقتصاد الفلسطيني لا زال اقتصادا غير مستقل بسبب الاحتلال، وهناك قيود ومحددات كثيرة مفروضة على هذا الاقتصاد تجعله غير قادر على تنفيذ الكثير من استراتيجيات الأعمال والكثير من السياسات المالية والنقدية التي تكفل تحقيق بعض التحسين لواقع هذا الاقتصاد.

إن القرن الحالي قد اتسم بالتطور السريع والكبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وهذا التطور أدى إلى تقريب المسافات بحيث أصبح الناس كأنهم يعيشون في قرية صغيرة، وقد رافق هذا التطور انعكاسات كبيرة وتداعيات جوهرية على واقع المنافسة بين المنتجات، فقد زادت شدة المنافسة في ظل إفرازات العولمة ومضامينها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد أثبتت خبرات منظمات الأعمال في الأسواق أن تحقيق التنافسية للمنتجات يتطلب تكامل وتضافر جهود جميع وحدات المنظمة ضمن مستوياتها المختلفة لبناء ميزة تنافسية مستدامة لمنتجاتها، إذ يقع على عاتق كل وحدة من وحدات المنظمة دور محدد في تحقيق هذه الميزة التي تجعل المنتجات قادرة على منافسة المنتجات الأخرى والنجاح والبقاء في الأسواق وتحقيق أهداف المنظمة ورسالتها. على سبيل المثال، يعدّ قسم المشتريات مسؤولا عن شراء المواد الأولية بالجودة المناسبة والأسعار التنافسية الملائمة، وقسم الإنتاج مسؤول عن تصنيع المنتجات بالمواصفات الملائمة القادرة على تحقيق تنافسية هذه المنتجات، ويعدّ قسم الموارد البشرية مسؤولا عن توظيف العاملين بالمؤهلات المطلوبة التي تجلب للمنظمة المعرفة التنافسية المتميزة وتبني رأس مالها البشري الواعد والقادر على بناء الميزة التنافسية المستدامة، ويعدّ قسم التسويق مسؤولا عن تحليل حاجات ورغبات وأذواق المستهلكين وتلبيتها من خلال منتجات المنظمة بأشكال وأنماط متجددة تتميز فيها على المنتجات المنافسة، ويعدّ قسم نظم المعلومات الإدارية مسؤولا عن تأسيس وتجديد قاعدة بيانات ومعلومات توفر لصناع القرار والعاملين كل ما يحتاجونه من هذه البيانات والمعلومات لضمان وجود إدارة معرفية تنافسية قادرة على أن تكون مصدر الابداع المتجدد لمنتجات المنظمة.

وتسعى منظمات الأعمال إلى التميز في منتجاتها من خلال مجالات وأسبقيات متعددة أهمها التميز من خلال جودة المنتجات، والتميز من خلال الأسعار التنافسية (المرتكزة على قاعدة القيادة الشاملة للتكلفة)، والتميز من خلال بناء نظم تمنح المنظمة درجة عالية من المرونة في تقديم منتجاتها، والتميز من خلال التركيز على عنصر الوقت بحيث يتم تقديم المنتجات (سلع، خدمات، ...) بسرعة عالية، إضافة إلى الالتزام القاطع بالمواعيد المقررة. وهناك مجالات أخرى للتميز والتنافسية، أهمها الابداع والابتكار في طرح المنتجات إلى السوق بحيث تلبي وتفوق حاجات المستهلكين ورغباتهم وأذواقهم وتوقعاتهم. وهنا لا بدّ من التأكيد على أن التوجهات الحديثة في التنافسية تركز على تميز المنتجات من خلال التصميم الإبداعي الابتكاري الذي يقدم للزبائن قيمة إضافية تنافسية وأداء تنافسيا متميزا للمنتجات.

ويعدّ الإبداع شكلا متميزا من أشكال النشاط العقلي يقود المنظمات إلى أشكال وأنماط جديدة من التفكير المبدع، ويقود إلى توفير الأدوات والأساليب التي تزيد المعرفة التنافسية في منظمات الأعمال. وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الإبداع كمدخل جوهري للعمل يجعل المنظمات قادرة على تقديم منتجات جديدة تحلّ بفاعلية ونجاح مكان المنتجات القديمة، وتبني حصصا سوقية كبيرة تحقق لكل منظمة رسالتها وأهدافها واستراتيجياتها. وتزيد الحاجة إلى الإبداع في ظل ما يشهده عالم اليوم من بيئة ديناميكية سريعة التغير والتطور وما ينجم عن ذلك من انعكاسات على البيئة التنظيمية الخارجية والداخلية (خصوصا على الأنشطة المرتبطة بالإنتاج والعمليات والتسويق والموارد البشرية والإدارة المالية والبحث والتطوير). وقد بات مطلوبا من منظمات الأعمال أن تستخدم مخرجات عمليات الإبداع في تحقيق الميزة التنافسية المستدامة بالتركيز على الجهود والمضامين الإستراتيجية والفنية والعملية بما تقود إلى تلبية حاجات المستهلكين ورغباتهم وأذواقهم عبر التوظيف الفاعل والكفؤ للموارد المتاحة في المنظمات.

وفي ظل ما يشهده العالم من تغيرات جوهرية وتطورات كبيرة خصوصا في حقل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فقد برزت توجهات إدارية واقتصادية جديدة أدت إلى تغيير واضح في الكثير من المفاهيم السائدة في عالم المال والأعمال، وحلّ مكانها مفاهيم جديدة أكثر فاعلية وأكثر قدرة على التعاطي مع البيئة المتجددة وشديدة التغير، وكان من بين هذه المفاهيم الجديدة إدارة المعرفة التي تساعد منظمات الأعمال على الاستثمار الأفضل لرأس المال الفكري ورأس المال البشري ورأس المال الاجتماعي، وتؤدي إلى تعظيم توظيف المنظمات لمواردها المختلفة وبناء قدرات تنافسية متميزة لمنتجاتها. ومن هنا، فإن منظمات الأعمال في أسواقنا باتت مطالبة الآن بالسعي الجاد نحو تبني مدخل إدارة المعرفة في طرح منتجاتها وتطويرها، فهذه الإدارة هي أحد المنافذ الجوهرية لتحقيق تنافسية المنتجات.

إن تحقيق التنافسية بمفهومها الكامل يتطلب التركيز على تحقيقها ضمن ثلاثة مستويات رئيسة، المستوى الأول هو مستوى المنظمة، وضمن هذا المستوى فإن منظمات الأعمال المختلفة يقع على عاتقها وضع الأهداف والاستراتيجيات والسياسات والإجراءات التي تكفل تنافسية منتجاتها أمام منتجات المنظمات المنافسة داخل الدولة وخارجها في ظل العولمة الاقتصادية والانفتاح الواسع للأسواق. أما المستوى الثاني لتحقيق التنافسية فهو على مستوى الصناعة، حيث تتضافر جهود مجموعة المنظمات العاملة في الصناعة الواحدة (في دولة ما) ضمن نهج تعاوني لبناء ميزة تنافسية مستدامة لهذا القطاع تجعله قادرا على المنافسة الفاعلة والناجحة للصناعات المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.

ويكون المستوى الثالث للتنافسية على مستوى الدولة، وضمن هذا المستوى يتم التركيز على تعزيز تنافسية الدولة (من خلال منظماتها وصناعاتها) وتعزيز قدرة الدولة التنافسية في انتاج السلع والخدمات القادرة على النفاذ بقوة وسرعة إلى الأسواق العالمية.

إن تحقيق التنافسية وتعزيزها ضمن المستويات المذكورة يتطلب تبني سياسات فاعلة للإصلاح السياسي تكفل التخلص من الاختلالات الاقتصادية المتعددة الناجمة عن بعض السياسات المالية والنقدية التي تنتهجها بعض الدول، كما أن تعزيز التنافسية يتطلب الاهتمام بوضع التشريعات التي تركز في جوهرها على ضمان تحقيق المنافسة الاقتصادية وتحقيق الحماية الكافية للمستهلك.

إن نظرة سريعة إلى ملامح ومعالم الاقتصاد الفلسطيني تكشف الكثير من المعوقات والمحددات والعراقيل التي تحدّ من قدرة الصناعات والمنتجات الفلسطينية على النمو والتطور والتنافسية، وفي كثير من الحالات لا تجد منظمات الأعمال الفلسطينية حلولا واقعية لأزماتها في ظل استمرار هذه المعوقات والمحددات التي يضعها الاحتلال أمام عجلة الاقتصاد الفلسطيني.

وقد تم بذل جهود فلسطينية كثيرة لتحسين وتطوير الواقع الاقتصادي الفلسطيني، وقد تم تبني الكثير من الاستراتيجيات والسياسات والإجراءات والأدوات لتحقيق هذا الغرض بالتركيز على مجموعة من التوجهات والمجالات الإستراتيجية، وتم بذل كل ما هو ممكن لتحسين الواقع الصعب للاقتصاد الفلسطيني، وتم وضع خطط إستراتيجية وتنموية تصب في تحقيق التنمية المستدامة لهذا الاقتصاد، لكنها واجهت المصاعب الكثيرة وعلى رأسها إجراءات وسياسات الاحتلال الإسرائيلي.

وهناك مصاعب وتحديات كثيرة يواجهها الاقتصاد الفلسطيني ناجمة عن القيود والإجراءات الإسرائيلية، ومن هذه المصاعب والتحديات: ومن ذلك على سبيل المثال: العقبات الكبيرة والكثيرة التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي أمام المستوردين الفلسطينيين لتقليص عمليات الاستيراد من الخارج، والعوائق والقيود الإسرائيلية أمام الصادرات الفلسطينية، والتحكّم الإسرائيلي في جميع الموانئ والمعابر التي تدخل من خلالها الواردات إلى الأسواق الفلسطينية، وتأخير البضائع المستوردة في نقاط التفتيش الأمني المشدد (في الموانئ والمعابر) وما يترتب عليه من زيادة في التكاليف، والإعاقة أيضا على المعابر المختلفة التي تمرّ البضائع من خلالها إلى الأسواق الفلسطينية، والمعاناة من عمليات الفحص المزدوج في الموانئ ومن ثم في المعابر، وهذا يؤدي إلى المزيد من التأخير وإلى المزيد من التكاليف، والجدار الفاصل (جدار الضم والتوسع) الذي أقامه الاحتلال والذي أدى إلى أضرار اقتصادية واجتماعية فادحة وكارثية على الاقتصاد الفلسطيني، وأهمها عزل القدس، وهذا أدى إلى إلحاق أضرار مزدوجة بالفلسطينيين في القدس وخارجها، وأدى إلى تأثيرات جوهرية على مستوى دخل الفرد الفلسطيني، كما أدى إلى تأثيرات جوهرية على حركة التجارة الفلسطينية بصورة حادّة، وعزل الضفة الغربية عن قطاع غزة ومنع التواصل بينهما، وعدم السماح بإنشاء معبر آمن يربط بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الآثار الناجمة عن حصار قطاع غزة، والسعي الإسرائيلي المتواصل لتعزيز وتكريس تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، وهذا أدى إلى تشوهات جوهرية في بنية الاقتصاد الفلسطيني، وإعاقة أو منع إنشاء مصانع إنتاجية بالحدّ الأدنى الذي يسهم في النهوض النسبي بالاقتصاد الفلسطيني والتخفيف من معدلات البطالة والفقر.

ورغم كل القيود التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني بفعل الاحتلال، فإن هناك نوافذ أمل تبقى مفتوحة بزوايا متعددة ومختلفة، وتستشرق منظمات الأعمال الفلسطينية مستقبلا أفضل لاقتصادنا الفلسطيني الواعد من خلال هذه النوافذ، فالإمكانات الفلسطينية رغم تواضعها هي إمكانات واعدة، وهذه الإمكانات قادرة على صنع مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة.

ولا يسعنا هنا إلا التأكيد على أن منظمات الأعمال الفلسطينية والعربية أمام مسؤولية تاريخية تحتّم عليها العمل المستمر والدؤوب لبناء قدرات اقتصادنا الفلسطيني رغم ما تعانيه البيئة الفلسطينية من أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية ومعيشية صعبة، فالاقتصاد المتين هو واحدة من ضمانات البقاء والديمومة لبنية الإنسان الفلسطيني على أرضه.

إن مضامين المسؤولية المجتمعية والتاريخية لمنظمات الأعمال الفلسطينية والعربية نحو الإنسان الفلسطيني تستحث هذه المنظمات وتدعوها إلى تعزيز استثماراتها في الاقتصاد الفلسطيني، وربما تكون هذه المضامين محقة وغير مخطئة إذا طالبت هذه المنظمات بعدم التعاطي مع الأمر بمقاييس ومعايير العائد والمخاطرة وغيرها من المقاييس والمعايير الاقتصادية، فالعائد المجتمعي لا يقل أهمية عن العائد الاقتصادي، وربما يحتاج الأمر إلى استحداث بطاقة فلسطينية لقياس الأداء المتوازن لتقويم أداء منظمات الأعمال في البيئة الفلسطينية من خلال أبعاد جديدة تراعي البعد المجتمعي الفلسطيني وتضعه كبعد أساسي وجوهري في هذه البطاقة الجديدة.